مقبرة فضائية فوق رؤوسنا.. حقائق صادمة عن الأقمار التي تسقط

ترجمة -نبض الشام
أصبحت الحياة اليومية تعتمد بشكل متزايد على أنظمة الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض. ومع ازدياد أعداد الأقمار الصناعية، فإن عدد الوحدات الخارجة عن الخدمة التي تعود مسرعة نحو سطح الأرض في ازدياد مستمر.
تتبخر الأقمار الصناعية الخارجة عن الخدمة عند اختراقها الغلاف الجوي، وتتحلل إلى عناصرها الأساسية، معظمها من الألمنيوم، بالإضافة إلى كميات من النحاس والليثيوم، وهذا يغيّر من تركيب الغلاف الجوي بطرق تهدد طبقة الأوزون الاي تحمي للأرض.
وعند مشاهدتها من الأرض، تبدو هذه العودة كأنها شهب تلمع في السماء. لكن رغم روعة منظرها، فإن هذه الظاهرة تمثل مشكلة كبيرة.
ففي عام 2024، سُجِّلت نحو 1000 حالة عودة لأقمار صناعية، أي ما يعادل ثلاث حالات يوميًا، ومن المتوقع أن تؤدي الزيادة الهائلة في عدد الأقمار الصناعية في المدار، بقيادة شركات مثل “سبيس إكس”، إلى ما بين 25 إلى 50 حالة دخول يوميًا بحلول عام 2035، مما يخلق آلية جديدة لتوصيل ملوثات ضارة لـ الدرع الواقي لكوكب الأرض (طبقة الأوزون).
تمتلك شركة “سبيس إكس” التابعة لإيلون ماسك أكثر من 7000 قمر صناعي في المدار ضمن كوكبة “ستارلينك” للإنترنت. وقد صرحت الشركة سابقًا بأنها تخطط لإطلاق ما يصل إلى 42,000 وحدة، لكل منها عمر تشغيلي يبلغ حوالي خمس سنوات.
وللحفاظ على أسطول بهذا الحجم، يقدّر عالم الفيزياء الفلكية جوناثان ماكدويل أن الشركة ستحتاج إلى إطلاق ما يعادل 23 قمرًا صناعيًا يوميًا، وطرح العدد نفسه خارج المدار ليحترق في الغلاف الجوي العلوي.
وعلى الرغم من أن “سبيس إكس” هي أكثر الشركات إطلاقًا للأقمار الصناعية، إلا أنها ليست الوحيدة. فقد أطلق مشروع “كويبر” التابع لشركة أمازون أول 27 قمرًا صناعيا إنتاجيا إلى المدار إذ يتطلع الرئيس التنفيذي جيف بيزوس إلى بناء كوكبة إنترنت للتنافس مع ستارلينك.
ووفقًا لتحليل ماكدويل، الذي يعمل في مركز هارفارد وسميثسونيان للفيزياء الفلكية وينشر أيضًا بيانات حول عمليات الإطلاق الفضائية والأقمار الصناعية، فقد تم في العام الماضي نشر أكثر من 2800 قمر صناعي مقارنة بـ 500 قمر صناعي في عام 2019.
فالأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض يجب أن تعود في النهاية إلى الأرض، وتعتمد الشركات على طبقة الغلاف الجوي العلوي كمحرقة للنفايات. لكن هذا أظهر ثغرة في القوانين البيئية التي لا تتعامل إلا مع التلوث الناتج عن الأنشطة البشرية قرب سطح الأرض، ولكن كما أن ثاني أكسيد الكربون والمركبات المدمرة لطبقة لأوزون التي تتصاعد إلى الأعلى قد خلقت مشاكل، فإن الملوثات التي تتساقط بمعدلات متزايدة باستمرار يمكن أن تسبب ذات المشاكل.
تعتبر دراسة تلوث الستراتوسفير مجالا ناشئاً . وأظهرت أولى الأبحاث، التي بدأت قبل نحو خمس سنوات، أن تعبئة الغلاف الجوي بجزيئات من وقود الصواريخ وبقايا الأقمار الساقطة قد يعيد عقودًا من التقدم المنجز في إصلاح طبقة الأوزون إلى الوراء، كما قد يؤثر بشكل غير مباشر على المناخ.
وقد يؤدي ازدهار صناعة الأقمار الصناعية إلى تفاقم التأثيرات التي لاحظها العلماء. فخلال السنوات الخمس المقبلة، من المرجّح أن يرتفع عدد الأقمار الصناعية في المدار من حوالي 12,000 حاليًا إلى ما بين 60,000 و100,000. وبحلول عام 2035 ، يتوقع “غولدمان ساكس” أن تصل قيمة هذه الصناعة إلى 108 مليارات دولار ، إذ سترتفع 15 مليارًا عن التكلفة الحالية.
وقد زادت “سبيس إكس” من وتيرة إطلاقاتها بشكل سريع، كما زادت من كتلة أقمار “ستارلينك”.
يقول العالم الباحث في مركز أبحاث أنظمة المناخ بجامعة كولومبيا كوستاس تسيغاريديس: “نحن الآن عند النقطة التي نرى فيها بوضوح أن هناك مشكلة قادمة”.
إذ يتم تصميم الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض بحيث تحترق في الغلاف الجوي. لكن المشكلة تكمن في اعتبار المركبات الفضائية وكأنها قابلة للاستهلاك أي أن مخلفاتها لا بد أن تذهب إلى مكان ما، تماماً كما هو الحال مع النفايات الصناعية أو المنتجات الاستهلاكية.
وفي حالة الأقمار الصناعية، تنتهي الجزيئات في الغلاف الجوي. ورغم أن كمية المواد العالقة في الأعلى لا تزال غير مقلقة حتى الآن، إلا أنها تثير قلق علماء الغلاف الجوي بحال تكرارها.
وأظهرت تجارب أجريت في سبعينيات القرن الماضي أن الطائرات النفاثة الأسرع من الصوت والمواد الكيميائية المستخدمة في علب الرش وأنظمة التبريد تعد من أكثر العوامل التي تدمر طبقة الأوزون (وهو مركب موجود في طبقة الستراتوسفير) ويمنع الأشعة فوق البنفسجية الضارة من الوصول إلى سطح الأرض.
وقد اكتشف العلماء في عام 1985 ثقب ضخم في طبقة الأوزون، ما دفع الحكومات والصناعات والمجتمع العلمي إلى التحرك سريعًا وحظر تلك المواد المضرة. في عام 2024، كان الثقب أصغر من المتوسط طويل الأجل ،وبالمعدل الحالي، من الممكن معالجته بشكل كامل تمامًا بحلول عام 2060. لكن في الوضع الراهن، تهدد الأقمار الصناعية هذا النجاح البيئي العالمي.
وكان مارتن روس (كبير مهندسي المشاريع في مؤسسة ” Aerospace Corporation “) من أوائل من دق ناقوس الخطر، وقد شارك في كتابة مقالات في مجلتي ” Scientific American ” و ” Eos ” ،حذر فيها من التلوث المتزايد بسبب الصناعة الفضائية المتنامية بشكل كبير. كما كتب هو والصحفي العلمي ليونارد ديفيد في عام 2020 “الانبعاثات التي تُنتجها صناعة الفضاء، بخلاف الطيران، تؤثّر في جميع طبقات الغلاف الجوي.”
التلوث الناجم عن الصناعة الفضائية في الغلاف الجوي العلوي للأرض
شرع الباحثون في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في تحليل التأثيرات المحتملة، لكنهم لم يكونوا قد رصدوا بعد الطفرة الوشيكة في إطلاق الأقمار الصناعية. وقد قام علماء من جامعة لندن بدراسة الآثار الجوية المحتملة الناتجة عن الصناعة الفضائية استنادًا إلى بيانات عام 2019، وهي بيانات أتت مباشرة قبل فترة تسارع وتيرة الإطلاقات. إلا أنه، عند تحليل البيانات الممتدة بين عامي 2020 و2022، تمكنوا من تمييز الاتجاه الجديد بوضوح.”
قال كونور باركر ،المشارك في أبحاث كيمياء الغلاف الجوي في جامعة لندن: “لقد فوجئنا بسرعة تزايد هذه الأرقام“، في إشارة إلى الارتفاع في عدد عمليات إطلاق الأقمار الصناعية وعودة الحطام إلى الغلاف الجوي.
والجدير ذكره، أن تأثير الأقمار الصناعية على طبقة الأوزون يبدأ حتى قبل أن تدخل المدار، وذلك نتيجة الرحلة الصاروخية التي تنقلها. إذ يُستخدم الكيروسين في تشغيل العديد من عمليات الإطلاق، وهو يحترق بكفاءة أقل كلما ارتفع الصاروخ في الغلاف الجوي، مما يؤدي إلى انبعاث ملوّثات من السُخام، أو ما يُعرف بالكربون الأسود.
وعلى مقربة من سطح الأرض، يدرك علماء المناخ أن السُخام يترسّب على القمم الجليدية والأنهار الجليدية الجبلية التي ترتفع لحوالي 4,500 متر (15,000 قدم). وهناك، يعمل على امتصاص الحرارة، مما يُسرّع من ذوبان الجليد.
لكن الطفرة في إطلاق الأقمار الصناعية تحمل السُخام إلى ارتفاعات أعلى من ذلك بكثير. فحوالي 80% من الكربون الأسود الناتج عن عمليات الإطلاق يُترسّب على ارتفاع 15 كيلومتراً أو أكثر فوق سطح الأرض. ووفقاً لدراسة نُشرت عام 2022، فإن تأثيره في قمة الغلاف الجوي قد يكون أقوى بـ500 مرة من تأثير الكمية ذاتها عند مستوى سطح الأرض.
قد تكون تأثيرات هذا السُخام على تغيّر المناخ غير مباشرة، ولم تُدرَس بشكل كافٍ بعد. غير أن السُخام في الطبقات العليا قد يغيّر أنماط الدوران الجوي واسع النطاق، وكيفية تشكّل بعض أنواع السحب، بحسب ما تقول إيلويز ماراي، أستاذة كيمياء الغلاف الجوي وجودة الهواء في “جامعة لندن”. كما أن الكربون الأسود في طبقة الستراتوسفير قادر على امتصاص أشعة الشمس، مما يُقلّل من كمية الإشعاع الشمسي التي تصل إلى سطح الأرض، وقد يؤدي إلى تبريد طفيف للكوكب.
تقول ماراي: “هذا في الأساس يُشبه الهندسة الجيولوجية – حلاً مؤقتاً للاحترار الناتج عن النشاط البشري، وهو حلٌّ يتردّد العالم كثيراً في اعتماده، نظراً لاحتمالية ما قد يسببه من عواقب بيئية غير مقصودة وخطيرة.”
مع ذلك، ثمة قلق متزايد يتمثل في قدرة السخام على تسريع تدمير الأوزون عن طريق تسخين ما يُعرف بالتروبوبوز – وهي طبقة الهواء البارد التي تفصل الغلاف الجوي السفلي عن الستراتوسفير. ووفقاً لدراسة علمية تحت إشراف تسغاريديس نُشرت عام 2024، قد تؤدي الحرارة الإضافية الناتجة عن السُخام إلى فتح “ثغرة”، تسمح بصعود بخار الماء إلى طبقة الستراتوسفير، مما يساهم في ارتفاع حرارتها ويُساهم بشكل آخر في عملية تدمير الأوزون ..
ويواصل العلماء تحديث البيانات المتعلقة بتأثير رحلات الفضاء على الغلاف الجوي. وكانت دراسة نُشرت عام 2023 قد حددت “ولأول مرة” رقمًا لكمية الهباء الجوي الستراتوسفيري التي تحتوي بالفعل على جسيمات ناتجة عن عمليات إطلاق الأقمار الصناعية أو عودتها إلى الغلاف الجوي، ووجدت أن نسبتها تصل إلى 10%، ومن المرجح أن تزداد مع نمو الصناعة الفضائية.
كما أنهم يتتبّعون طيفاً كبيراً من المواد الكيميائية الجديدة في الغلاف الجوي العلوي، والتي ربما لم تكن موجودة هناك من قبل. وتشير الدراسة ذاتها إلى أن عناصر مثل النحاس والرصاص والليثيوم رُصدت مؤخراً في هذه الطبقات نتيجة تبخّر الأقمار الصناعية، متجاوزة بذلك المستويات التي ترسّبت عادةً بفعل الغبار الكوني.
قال كريستوفر مالوني، الباحث العلمي في جامعة كولورادو بولدر: “لم يكن أحد يتوقّع وجود الليثيوم هناك.”
لكن الارتفاع المتزايد في المواد المصنوعة من الألمنيوم هو الأكثر إثارة للقلق، فهذا المعدن يُعد من المكونات الأساسية في تصنيع الصواريخ والأقمار الصناعية، لكن الكمية الدقيقة المستخدمة غير معروفة بسبب أسرار الصناعة وغياب لوائح الإفصاح. وتختلف التقديرات بشكل كبير، إلا أن النطاق الأكثر شيوعاً يتراوح بين 35% و45%..
عندما يتفاعل الألمنيوم الموجود في طبقة الستراتوسفير مع الأكسجين، يتكون أكسيد الألمنيوم، أو الألومينا. ويمكن لهذا المركّب أن يساهم في تدمير طبقة الأوزون عبر سلسلة من التفاعلات الكيميائية.
وفي عام 2022، أسفرت الأقمار الصناعية الساقطة عن إنتاج نحو 17 طناً من الألومينا، أي بزيادة قدرها 30% عن المستويات الطبيعية.
ووفقاً لدراسة نُشرت عام 2024، إن منظومات الأقمار الصناعية العملاقة (Mega-constellations) المكتملة بالكامل، والتي تزن كل منها 550 رطلاً وقد تتكوّن بنسبة 30% من الألمنيوم، قد تُضيف 360 طناً سنوياً، وهو على الأرجح مقدار كافٍ لإلحاق الضرر بطبقة الأوزون.
قال باركر:”نحن لا نعرف فعلاً شكل الجسيمات الناتجة عن عودة الألومينا إلى الغلاف الجوي، لأننا لا نملك بيانات تجريبية بهذا الشأن. فحجم هذه الجسيمات يؤثر في سرعة سقوطها، وهو ما يحدّد مدى تأثيرها البيئي.”
حلل مالوني في بحثه الأخير ما قد يحدث لآلاف الأطنان المتريّة من الألومينا في طبقة الستراتوسفير. المشكلة تكمن في النقص الكبير في البيانات، بما في ذلك أحجام جسيمات الهباء الجوي، والتي تقل عن جزء من المليون من المتر. وتستغرق طبقة الستراتوسفير عدة سنوات لتنظيف نفسها، عبر نزول الهواء ببطء عند القطبين. واصفاً فهم الألومينا بأنه: بـ”أحد أكبر التحديات عند دراسة الغلاف الجوي الأوسط والعُلوي.”
ولا تقتصر التأثيرات على الجسيمات فقط، بل إن الحرارة الناتجة عن تدمير الأقمار الصناعية تؤدي إلى إعادة ترتيب في الغلاف الجوي بشكل يهدد طبقة الأوزون. إذ قد تصل درجات الحرارة إلى 3,500 درجة فهرنهايت (1,925 درجة مئوية) — وهي حرارة كافية لتفكيك جزيئات النيتروجين التي تُشكّل 80% من الغلاف الجوي. وتتّحد الذرّات الناتجة مع الأكسجين لتكوين ثاني أكسيد النيتروجين (NOx). وفي الظروف المناسبة، يمكن لجزيء واحد من NOx أن يدمر جزيء أوزون واحد ثم يُعاد تكوينه ليواصل “الهجوم على جزيء أوزون آخر”، بحسب ما قالت لورا ريفيل، العالمة المتخصصة في الغلاف الجوي بجامعة كانتربري في كرايستشرش، نيوزيلندا.
ولا يزال الدور الدقيق لكل من هذه العمليات في استنزاف الأوزون العُلوي قيد الدراسة، ومعظمها يتم حتى الآن عبر المحاكاة الحاسوبية. ومن المرتقب أن يحصل العلماء على بيانات مباشرة أكثر قريباً، إذ تخطط وكالة الفضاء الأوروبية لإطلاق مهمة عام 2027، تتبّع خلالها رحلة هبوط قمر صناعي في الغلاف الجوي وتقوم بتحليل الآثار التي يتركها خلفه.
تنتج الأقمار الصناعية 285 مليار دولار من العائدات في عام 2023 — أي ما يزيد عن 70% من إجمالي الإيرادات المرتبطة بقطاع الفضاء، وفقاً لرابطة صناعة الأقمار الصناعية. ومن المتوقع أن يشهد هذا القطاع طفرة إضافية مع انخفاض تكاليف الإطلاق وارتفاع الطلب على الخدمات، من الصور الفضائية إلى الإنترنت اللاسلكي.
إلى جانب “سبيس إكس”، تعمل شركات وحكومات، من بينها شركة “تليسات” الكندية والاتحاد الأوروبي، على بناء كوكبات تضم آلاف الأقمار الصناعية. كما تخطط “أمازون” لإطلاق أكثر من 3,000 قمر صناعي ضمن مشروع “كويبر” (Project Kuiper)..
وقد يُسهم رد الفعل السلبي تجاه تقارب إيلون ماسك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فتح المجال أمام المنافسين لتوسيع حضورهم في السوق.
“العديد من عملائنا يقولون: نريد بدائل، ولا نريد الوقوع في احتكار محتمل من مزود واحد، هذا ماصرحت به إيفا بيرنيكي، الرئيس التنفيذي لشركة “يوتلسات”، التي تُدير واحدة من الكوكبات القليلة التي تقديم خدمات الإنترنت من مدار الأرض المنخفض إلى جانب “ستارلينك”.
وتدرك كبرى شركات الأقمار الصناعية تزايد الأبحاث المتعلقة بالمخاطر المرتبطة بعودة الأقمار إلى الغلاف الجوي، إلا أنه لا يزال من غير الواضح حتى الأن كيف يمكن أن تتطور اللوائح التنظيمية استجابةً لذلك، أو ما تأثير ذلك المحتمل على الصناعة وتكاليف الإطلاق.
ومن جانبه، قال كريس جونز، نائب رئيس عمليات الشبكة في شركة “إريديوم” لخدمات الاتصالات عبر الأقمار الصناعية: “لا أعتقد أن هذه البيانات أو التحليلات نهائية أو قوية بما يكفي لنُصدر أحكامًا قاطعة حتى الآن.”
تُفضّل اللوائح التنظيمية الأمريكية تدمير الأقمار الصناعية عبر احتراقها في الغلاف الجوي. وتُعرّف لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) “التخلص الناجح” من المركبات الفضائية الموجودة في المدار الأرضي المنخفض أو العابرة له، بأنه العودة إلى الغلاف الجوي خلال مدة لا تتجاوز خمس سنوات بعد انتهاء مهمتها.
ومع ذلك، توجد بدائل أخرى، مثل إرسال الأقمار المعطّلة إلى ما يُعرف بـ”مقبرة المدار” ،وهو مدار مرتفع يُستخدم كمكان استقرار نهائي بعيد عن المركبات الفضائية العاملة. وقد اعتمدت شركة “جلوبال ستار” سابقاً هذا الخيار، لكنها تحولت لاحقاً إلى التخلص من الأقمار عبر الاحتراق في الغلاف الجوي، امتثالاً لتغير القوانين الناظمة.
قالت باربي بوندر، المستشار القانوني ونائب رئيس الشؤون التنظيمية في “جلوبال ستار: ” نحن شارك في الجلسات التنظيمية ونسأل: هل أنتم متأكدون أن هذه هي أفضل طريقة للتعامل مع الأقمار الصناعية عند نهاية عمرها التشغيلي؟”. وأضافت: “وقد تم إخبارنا: “إذا أردتم الحصول على ترخيص للتشغيل، فهذه هي الطريقة التي يجب اتباعها.”
يقول جونز من شركة إيريديوم: “من بين طرق تقليل الأثر البيئي: استبدال مكونات الألمنيوم”، مضيفا إن هذا التحول جارٍ بالفعل، إذ تنتقل الصناعة من أقمار صناعية كبيرة وثقيلة معدنيًا (كما كان الحال في السبعينيات والثمانينيات) إلى نسخ أصغر وأكثر كفاءة من حيث التكلفة، تُصنع بشكل متزايد من ألياف الكربون، رغم أن تأثيرها في طبقة الستراتوسفير لم يُختبر بعد.
لكن بشكل رئيسي، تُعطي شركات الأقمار الصناعية الأولوية لاستخدام المواد القابلة للاحتراق الكامل عند العودة، بدلاً من تلك التي قد تصل إلى سطح الأرض.
فـ قطع الأقمار الصناعية التي تعود إلى الغلاف الجوي قد تُلحق أضرارًا بالمباني أو تُصيب الأشخاص، مما يُشكّل عبئًا قانونيًا كبيرًا على الشركات. ومع تزايد عدد عمليات العودة، كذلك يزداد سقوط الحطام على سطح الأرض. ففي العام الماضي وحده، شهدنا حوادث بارزة لسقوط نفايات فضائية على قرية في كينيا، ومزرعة في كندا، ومنزل في ولاية فلوريدا الأمريكية.
قال بوندر: “عند تصميم الأقمار، نحرص على جعلها قابلة للتحلل عبر الاحتراق (demisable) قدر الإمكان. نحاول تقليل استخدام بعض المعادن مثل التيتانيوم، والتي يمكنها العودة إلى الأرض.”
تمديد العمر التشغيلي للأقمار الصناعية قد يُقلل عدد عمليات العودة، كما أنه يعود على الشركات بفائدة أخرى، فهو أقل تكلفة.
قال ميشيل فورست، المدير التقني لشركة “Telesat”: “نُفضّل استخدام معدات تدوم لفترة أطول، مما يقلّل كل من عدد الإطلاقات وكمية الأقمار المنتهية الصلاحية. وهذه الاستراتيجية متوافقة تمامًا مع مبادئ الاستدامة، وهي أيضًا، بصراحة، مجدية اقتصاديًا من حيث الاستثمار.”
وتشمل الأفكار الأخرى المطروحة مفهوم القمر الصناعي الياباني المصنوع معظمه من الخشب، وأيضا نظام لتجميع الأقمار الصناعية في الفضاء وإعادة معالجة مكوناتها المعدنية لإنتاج وحدات جديدة. لكن جونز من شركة “Iridium” أوضح بأن إعادة استخدام الأقمار لم تُثبت جدواها الاقتصادية بعد.
وقال مكدوال: “هذا يشبه أفلام الخيال العلمي، لكن هذا ما يجب أن نبدأ بالتفكير فيه إذا لم نعد قادرين على إعادتها إلى الغلاف الجوي.”
ومع ذلك ، يبدو أن الشركات ليست في عجلة من أمرها لإعادة النظر في نموذج أعمالها بناءً على الأبحاث المُجراة حتى الآن. وكذلك الحال بالنسبة للجهات التنظيمية.
ومن جانبه، قال رئيس مكتب الفضاء في لجنة الاتصالات الفيدرالية جاي شوارتز في أوائل أبريل ، عندما سُئل ، في مؤتمر في كولورادو سبرينغز، عن التأثيرات البيئية لإعادة دخول الأقمار الصناعية إلى الغلاف الجوي: “لا يتعين علينا في نهاية المطاف الاختيار بين إلغاء القيود التنظيمية وتلك المسؤوليات المتعلقة باستدامة الفضاء والبيئة وما إلى ذلك”.
في تقرير صدر عام ٢٠٢٢، أشارت الهيئة الأمريكية لمراقبة الحكومة إلى ضرورة وضع لوائح تنظيمية جديدة. وخلصت الهيئة إلى أن انبعاثات الأقمار الصناعية العائدة قد تُغير درجة حرارة طبقة الستراتوسفير وتُستنزف طبقة الأوزون، مع إقرارها بالحاجة إلى مزيد من المعلومات “لتحديد مدى خطورة هذه التأثيرات”.
أما مكدوال، فذكر أن الأبحاث الحالية ليست كافية بعد لدفع الحكومات أو الهيئات التنظيمية إلى اتخاذ إجراءات، إذ قال: “لم نصل إلى تلك المرحلة بعد. برأيي، ما ينبغي على الحكومة فعله الآن هو تمويل هذه الأبحاث بشكل عاجل.”
وختم تسغاريديس من جامعة كولومبيا بالقول: “على الرغم أن الأقمار الصناعية لا يُرجّح أن تُشكل خطراً على طبقة الأوزون بذات مستوى المواد المبردة وعلب الرذاذ في الثمانينيات، فإنها ستُصبح مشكلة متنامية. “يجب ألا نتجاهل الأمر الآن لمجرد صغر حجمه”.




